سيد قطب

2610

في ظلال القرآن

في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشئونه بوساطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت ، ووقايتهم من مؤثرات الجور ومن غارات الأعداء . ويمضي هود في استنكار ما عليه قومه : « وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ » . . فهم عتاة غلاظ ، يتجبرون حين يبطشون ؛ ولا يتحرجون من القسوة في البطش . شأن المتجبرين المعتزين بالقوة المادية التي يملكون . وهنا يردهم إلى تقوى اللّه وطاعة رسوله ، لينهنه من هذه الغلظة الباطشة المتجبرة : « فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ » . ويذكرهم نعمة اللّه عليهم بما يستمتعون به ويتطاولون ويتجبرون . وكان الأجدر بهم أن يتذكروا فيشكروا ، ويخشوا أن يسلبهم ما أعطاهم ، وأن يعاقبهم على ما أسرفوا في العبث والبطش والبطر الذميم ! « وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ . أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ » . . وهكذا يذكرهم بالمنعم والنعمة على وجه الإجمال أولا : « أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ » . وهو حاضر بين أيديهم ، يعلمونه ويعرفونه ويعيشون فيه ، ثم يفصل بعض التفصيل : « أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ » وهي النعم المعهودة في ذلك العهد ؛ وهي نعمة في كل عهد . . ثم يخوفهم عذاب يوم عظيم . في صورة الإشفاق عليهم من ذلك العذاب . فهو أخوهم ، وهو واحد منهم ، وهو حريص ألا يحل بهم عذاب ذلك اليوم الذي لا شك فيه . ولكن هذه التذكرة وهذا التخويف ، لا يصلان إلى تلك القلوب الجاسية الفظة الغليظة . فإذا الإصرار والعناد والاستهتار . « قالُوا : سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ » . . فما يعنينا أن تعظ أو ألا تكون أصلا من الواعظين ! وهو تعبير فيه استهانة واستهتار وجفوة . يتبعه ما يشي بالجمود والتحجر والاعتماد على التقليد ! « إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . . وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » . . فحجتهم فيما هم عليه ، وفيما يستنكره عليهم هود ، أنه خلق الأولين ونهجهم . وهم يسيرون على نهج الأولين ! ثم إنهم لينفون احتمال العذاب على خلق الأولين ! « وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » ! ولا يستطرد السياق هنا في تفصيل ما ثار بينهم وبين رسولهم من جدل ؛ فيمضي قدما إلى النهاية : « فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ » . . وفي كلمتين اثنتين ينتهي الأمر ؛ ويطوى قوم عاد الجبارون ؛ وتطوى مصانعهم التي يتخذون ؛ ويطوى ما كانوا فيه من نعيم ، من أنعام وبنين وجنات وعيون ! وكم من أمة بعد عاد ظلت تفكر على هذا النحو ، وتغتر هذا الغرور ، وتبعد عن اللّه كلما تقدمت في الحضارة ؛ وتحسب أن الإنسان قد أصبح في غنية عن اللّه ! وهي تنتج من أسباب الدمار لغيرها ، والوقاية لنفسها ، ما تحسبه واقيا لها من أعدائها . . ثم تصبح وتمسي فإذا العذاب يصب عليها من فوقها ومن تحتها . عن أي طريق . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ » . .